أحمد بن يحيى العمري

18

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

استقرأها وجد فيها من طرائف الألوان ، الملذة للسان ، وبدائع الطعوم ، السائغة في الحلقوم ، ما لا يجد عند غيرهم ، ولا يناله إلا لديهم . وأمره أن يتتبع ما يعرض لموسري التجار ، ومجهزي الأمصار من وكيرة [ الدار ، والعرس ] والإعذار « 1 » فإنهم يوسعون على أنفسهم في النوائب بحسب تضييعهم « 2 » عليها في الراتب . وأمره أن يصادق قهارمة الدور ومدبريها ، ويرافق وكلاء المطابخ وحماليها ؛ فإنهم يملكون من أصحابهم أزمة مطاعمهم ومشاربهم ، ويضعونها بحيث يحبون من أهل موداتهم ومعارفهم ؛ وإذا عدّت هذه الطائفة أحدا من الناس من خلانها ، واتخذته أخا من إخوانها ، سعد بمرافقتها ، وحظي بمصادقتها ، ووصل إلى محابه من جهاتها ، وسار به إلى جنباتها « 3 » . وأمره أن يتعهد أسواق المتسوقين ، ومواسم المتبايعين ؛ فإذا رأى وظيفة قد زيد فيها « 4 » ، وأطعمة قد استحشد مشتريها ، اتبعها إلى المقصد بها ، وشيعها إلى المنازل الحاوية لها ، واستعلم ميقات الدعوة ومن يحضرها من أهل اليسار والمروءة ؛ فإنه لا يخلو فيهم من عارف به يراعي وقت مصيره إليها ليتبعه ، ويكمن له ليصحبه ويدخل معه وإن خلا من ذلك اختلط بزمر الداخلين ، فما هو إلا أن يتجاوز عتب الأبواب ، ويخرج من سلطان البوابين والحجاب ، حتى يحصل محصلا قل ما حصله أحد قبله ، فما انصرف عنه « 5 » إلا ضلعا من الطعام ، نزيفا من المدام .

--> ( 1 ) الوكيرة : طعام يتخذ لفراغ البنيان . والإعذار : طعام الختان . ( القاموس ) . ( 2 ) في التطفيل والصبح : تضييقهم . ( 3 ) في التطفيل والصبح : ومآربه في جنباتها . ( 4 ) في الأصل : قد زاد فيها . ( 5 ) في الأصل : فيه .